الشيخ محمد هادي معرفة
144
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى . لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى . أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى . وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى . أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى . تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى » . « 1 » هذه فواصل متساوية في الوزن تقريبا - على نظام غير نظام الشعر العربي - متّحدة في حرف التقفية تماما ، ذات إيقاع موسيقي متّحد تبعا لهذا وذلك ، وتبعا لأمر آخر لا يظهر ظهور الوزن والقافية ، لأنّه ينبعث من تآلف الحروف في الكلمات ، وتناسق الكلمات في الجمل ، ومردّه إلى الحسّ الداخلي والإدراك الموسيقي ، الذي يفرق بين إيقاع موسيقي وإيقاع ، ولو اتّحدت الفواصل والأوزان . والإيقاع الموسيقي هنا متوسّط الزمن تبعا لتوسّط الجملة الموسيقية في الطول ، متّحد تبعا لتوحّد الأسلوب الموسيقي ، مسترسل الرويّ كجوّ الحديث الذي يشبه التسلسل القصصي . وهذا كلّه ملحوظ . وفي بعض الفواصل يبدو ذلك جليّا مثل : « أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى . وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى » . فلو أنّك قلت : أفرأيتم اللات والعزّى ومناة الثالثة لاختلّت القافية ، ولتأثّر الإيقاع . ولو قلت : أفرأيتم اللّات والعزّى ومناة الأخرى فالوزن يختلّ . وكذلك في قوله : « أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى . تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى » فلو قلت : ألكم الذكرُ وله الأنثى تلك قسمة ضيزى لاختلّ الإيقاع المستقيم بكلمة « إِذاً » . ولا يعني هذا أنّ كلمة « الأخرى » أو كلمة « الثالثة » أو كلمة « إذا » زائدة لمجرّد القافية أو الوزن ، فهي ضروروية في السياق لنكت معنوية خاصّة . وتلك ميزة فنيّة أخرى أن تأتي اللفظة لتؤدّي معنى في السياق ، وتؤدّي تناسبا في الإيقاع ، دون أن يطغى هذا على ذاك ، أو يخضع النظم للضرورات . ملاحظة اتّزان الإيقاع في الآيات والفواصل تبدو واضحة في كلّ موضع على نحو ما ذكرنا أو قريبا من هذه الدقّة الكبرى . ودليل ذلك أن يُعدّل في التعبير عن الصورة القياسية للكلمة إلى صورة خاصّة ، أو أن يُبنى النسق على نحو يختلّ إذا قدّمت أو أخّرت فيه أو عدلت في النظم أيّ تعديل .
--> ( 1 ) - النجم 1 : 53 - 22 .